قال عنها الرحالة المغربي ابن بطوطة «زبيد مدينة عظيمة باليمن وليس بعد صنعاء أكبر منها ولا أغنى من أهلها، واسعة البساتين كثيرة الفواكه، كثيرة العمران بها البساتين والمياه، أملح بلاد اليمن وأجملها ولأهلها لطافة الشمائل وحسن الخلق».
الموقع والسكان:
تقع جنوب شرق مدينة الحديدة على بعد 100كم على الطريق الرئيس الحديدة ـ تعز، وتتبع إدارياً محافظة الحديدة ومركزها الإداري مدينة زبيد التاريخية والتي تقع على مرتفع متوسط بين واديين هما وادي زبيد من الجنوب ووادي رماع من الشمال على بعد متساو بين البحر والجبل بمسافة 30كم.
بلغ عدد سكانها وفق تعداد2004 إلى «155.015نسمة» تضمهم «493» تجمعاً سكانياً.
التسمية:
سميت باسم الوادي الأقرب لها والوادي زبيد سمي باسم زبيد مشتق من قبيلة زبيد بالضم وأن ما يطلق عليه زبيد هو ما كان يسمى بالحُصيب والحصيب بالتصغير نسبة إلى الحُصيب عبد شمس بن وائل بن غوث بن حيدان بن يقطن الممتد إلى يعرب بن قحطان أحد أقيال اليمن وسميت أرض الحُصيب باسم الوادي فغلب عليها اسم الوادي وأصبحت تدعى زبيد نسبة إلى وادي زبيد.
نبذة عن مدينة زبيد التاريخية:
منذ اختطاطها اتخذها علي محمد بن زياد عاصمة للدولة الزيادية «أول دولة إسلامية يمنية» وقد ظلت عاصمة ومركز حكم للدويلات المتعاقبة مثل الدولة النجاحية والمهدية، ثم عاصمة ومركز علم وثقافة في عهد الدولة الأيوبية والرسولية والطاهرية في عهد المماليك، ثم أصبحت بعد ذلك مركزاً إدارياً وثقافياً منذ قدوم الأتراك حتى اليوم.
ومنذ القرن الرابع الهجري وحتى منتصف القرن الرابع عشر كانت زبيد أهم منطقة لصناعة المنسوجات من اللحاف والبرد والمعاوز لتغطي احتياجات السوق اليمنية فوصل عدد مصانعها مائة وخمسين مصنعاً علاوة على تخصصها في صناعة الحلويات ودباغة الجلود والخزف وزيت السمسم.
معمار المدينة
يحيط بالمدينة القديمة سور من الياجور شيد في القرن الثالث الهجري في عهد الأمير سلامة ولقد جدد هذا السور وأضيفت إليه إضافات أخرى في عهد الدويلات التي تلت، حتى هدم في عهد الدولة العثمانية 5401هـ ثم أسند بناؤه للقاضي الحسن بن عقيل الحازمي قاضي زبيد في عام 2221هـ.
وتوجد للمدينة أربعة أبواب أثرية قديمة مبنية من الآجر «الطوب» جميلة المنظر تتوزع على السور القديم المندثر للمدينة من جهاتها الأربع هي:
ـ باب سهام: يتكون من طابقين ويشغله الآن مرافق حكومية يقع شمال زبيد وقد سمي نسبة إلى وادي سهام الذي يقع إلى الشمال من المدينة ويبدو أنه كان الباب الرئيس في المدينة فقد ذكر ابن الديبع أنه كان وجه المدينة وغرتها.
ـ باب القرتب: وهو الذي ينفذ من سور المدينة إلى وادي زبيد الذي يقع إلى الجنوب ثم إلى قرية القرتب وهي إحدى قرى وادي زبيد المشهورة.
ـ باب الشبارق: يقع شرق المدينة وقد سمي باسم قرية الشبارق التي تقع إلى شرق زبيد،وهي إحدى قرى وادي زبيد المشهورة.
ـ باب النخل: يقع غرب المدينة وقد سمي نسبة إلى نخل وادي زبيد، وكان قديماً يسمى باب غلافقة نسبة إلى ميناء غلافقة الذي كان يقع على ساحل البحر الأحمر.
ـ ومنهم من أضاف باب النصر في الجنوب الشرقي حيث القلعة المعروفة بدار الناصري الكبير أو ما تسمى بقلعة زبيد الكبرى.
المكانة العلمية لمدينة زبيد:
نظراً للمكانة العلمية الكبيرة التي حظيت بها زبيد فقد أصبحت مهوى أفئدة العلماء من كل حدب وصوب ومحط رحالهم الأمر الذي جعلها مرتبطة بالعديد من الأسماء الهامة في مختلف الجوانب العلمية.
وكانت مصدر تخريج العلماء والأئمة وكبار الشعراء والأدباء على امتداد الساحة اليمنية والعالم الإسلامي،وذلك من خلال العديد من مصنفاتهم ومؤلفاتهم وكتبهم التي مثلت أساساً مرجعياً للفكر العربي والإسلامي.
لقد أنشئت في مدينة زبيد العديد من المساجد والمدارس الدينية والتي درس فيها بجانب علوم الفقه واللغة علوم الطب والفلك والزراعة والكيمياء والجبر والحساب والمساحة وغيرها من العلوم.
فقد كان لزبيد مدينة العلم والعلماء السبق العلمي من بين مدن اليمن، فقد نشأت فيها أول مدرسة في اليمن وكان ذلك في أواخر الدولة الأيوبية 965ـ626هـ 3711ـ9211م.
حيث احتلت مدينة زبيد مركزاً ثقافياً عالي المستوى في الربع الأخير من القرن الثامن الهجري بعد أفول أو تضاؤل أهمية المراكز الفكرية والثقافية في العالم الإسلامي مثل بغداد ودمشق والقاهرة وأحصيت المؤسسات الثقافية فيها في أواخر القرن الثامن الهجري فبلغت مائتين وبضعاً وثلاثين موضعاً على ماصرح به الخزرجي” ت218هـ”ومن بعده ابن الديبع الشيباني «449هـ» وهذا العدد يشير بجلاء إلى أهميتها من الناحية الفكرية في الحقبة التي تولى فيها الملك الأشرف إسماعيل الغساني «308هـ»أمور الدولة الرسولية.
ويعتبر معجم «تاج العروس» من جواهر القاموس للمرتضى الزبيدي احدى النتاجات العلمية الخالدة التي أبدعتها زبيد فقد مثل هذا المعجم كما يقول الباحثون ذروة نتاج المعاجم اللغوية.
وإذا ذكرت زبيد ذكر كذلك «القاموس المحيط» لمجد الدين الفيروز آبادي لأن زبيد احتضنت هذا العالم الجليل أكثر من عشرين سنة وعرفت له قدره فأعطته منصب القضاء الأكبر في المملكة اليمنية ومنحته لقب «قاضى الأقضية» ومكنته من نشر العلم، وإقامة مؤسسات علمية وكتابة مؤلفاته الكثيرة مثل «القاموس المحيط» و«وبصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز» و «تسيير فاتحة الأناب في تفسير فاتحة الكتاب» و«تحبير الموشين في التعبير بالسين والشين» و«الإسعاد بالإصعاد إلى درجة الاجتهاد» وغير ذلك من الآثار الخوالد ولمكانة زبيد الكبيرة في نفوس علمائها فقد تغنوا بها نثراً وشعراً حيث يقول بن المقري:
زبيد إذا ماشئت سكنى ببلدة
فما ثم في الأرضيين غير زبيد
زبيد هي المأوى الذي سر أهله
سروراً به فاقت بقاع زبيد
زبيد هي السلوان للنفس والهوى
فما الهم مخلوق بأرض زبيد
أهم المعالم الأثرية في زبيد
جامع الأشاعر:
ـ وهو أحد المعالم الهامة لمدينة زبيد وأقدم مساجدها التاريخية والأثرية تأسس في السنة الثامنة الهجرية بأمر من الرسول صلى الله عليه وسلم على يد جماعة من قبيلة الأشاعر التي ينتمي لها الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري وأحد أربطة العلم في المدينة وملحق به مكتبة جمع فيها عدد كبير من الكتب والمخطوطات التي أوقفها علماء المدينة لطلاب العلم.
ـ قلعة زبيد الكبرى
أكبر القلاع الأثرية بمدينة زبيد وهي بناء مهيب يتكون من ترابط عدة أبنية ومرافق متكاملة «مسجد ـ بئر ـ مخازن ـ عنابر ـ اسطبلات خيول ـ دار حكم» ويحيط بها سور واحد وحائط مسجد، أظهرت الحفريات التي أجرتها البعثة الأثرية الكندية أن جدار القلعة الحالي بني عام 0491م، كما كشفت الحفريات التي تمت تحت الأساسات ووسط فناء القلعة على عمق ثمانية مترات الطبقة الأرضية التي قامت عليها مدينة زبيد في القرن التاسع الميلادي..وتحتوي القلعة حالياً بعد إجراء بعض الترميمات بها متحفاً اقليمياً كما تستخدم بعض أقسام القلعة مرافق إدارية حكومية.
الجامع الكبير في زبيد
من أهم وأكبر وأقدم المساجد في اليمن بعد الجامع الكبير بمدينة صنعاء،أسسه محمد عبدالله بن زياد عام 522هـ وقام بتجديده وتوسعته الحسين بن سلامة عام 393هـ وأعاد بناءه مجدداً المبارك بن كامل بني علي عام 965هـ وجدده عام 975هـ طغتكين بن أيوب وفي عام 248 ـ548هـ قام بتوسعة مؤخرته والجناحين السلطان الأشرف إسماعيل بن يحيى ثم هدمه وأعاد بناءه السلطان عامر بن عبدالوهاب 498 ـ329 هـ وزاد في بنائه كما أنشأ له مكتبة جددت سقوفه وأعمدة الطواريد بالمقدم عام 1611ـ9811هـ على يد الإمام المهدي العباس مساحته من الداخل 95*75متراًيتوسطه فناء مكشوف مساحته 62*41 متراً بناؤه يقوم على 072 عقداً و041 دعامة و09 اسطوانة وله 21 قبة و7 مقاصير و3 برك، تتميز العقود الداخلية بزخارف الكتابات القرآنية.
إضافة للعديد من المعالم الأثرية التي تتميز بها زبيد كمسجد أويس القرني وجامع ومدرسة الاسكندرية والمدارس الإسلامية والتي يصل عددها إلى أكثر من ثمانين مدرسة كل منها تعد تحفة معمارية آية في الروعة والجمال تجسد مدى ما وصل إليه فن المعمار اليمني القديم من تطور، وعوضاً عن أهميتها العلمية والتاريخية والأثرية كونها كانت تمثل كافة المدارس العلمية والفكرية والدينية والتي جعلت من زبيد أشهر المراكز العلمية في العالم الإسلامي، فإنها تعد أيضاً أهم مقومات السياحة الثقافية للمدينة وتلقى إقبالاً متزايداً من السياح والباحثين والمهتمين.
ولاننسى مكتبات المخطوطات إذ أن زبيد تضم حالياً أكثر من ستين مكتبة خاصة تحتوي على مئات المخطوطات العلمية التي لاتقدر بثمن ماتزال الكثير من الأسر العريقة بالمدينة تحافظ عليها وتحتفظ بها، وهي متاحة للإطلاع من قبل الباحثين والمهتمين.
ومسجد معاذ ومنطقة التريبة التي تضم عدداً من المباني والمساجد الأثرية والسوق القديم الذي يقع في وسط المدينة وكان يضم أقساما متخصصة لكافة السلع والمشغولات والعديد من الآثار التي تمثل البعد التاريخي الثقافي لمدينة زبيد التاريخية.
زبيد تراث مهدد بالخطر
إن أكثر ما يهدد الطابع المعماري لهذه المدينة التاريخية الفريدة البناء العشوائي واستخدام مواد البناء الحديثة،كالاسمنت والحديد في عمليات ترميم المباني القديمة إلى جانب غياب الضوابط القانونية التي تحمي الطابع المعماري والتاريخي للمدينة من هجمة الامتدادات السكنية الحضرية، ومايمثله ذلك من مساس وطمس للبعد التاريخي لمدينة زبيد، إضافة للخطر الذي لم يكن في الحسبان فقد أدى هطول الأمطار في الأشهر الماضي إلى حدوث أضرار جسيمة في العديد من المباني الأثرية بلغ عدد المباني التي تأثرت 24 منزلاً 13 منها أصيبت بأضرار بالغة وقد شهدت مدينة زبيد التاريخية نهاية العام الماضي إنهيار عدد من المنازل الأثرية أبرزها منزل المهدي الذي يعود تاريخ بنائه إلى ماقبل 400 سنة ويعد تحفة معمارية وتاريخية بديعة كما باتت عشرات المنازل على وشك الانهيار، وهذا مادفع عدداً من مواطني المدينة إلى رفع دعاوى قضائية ضد كل من الهيئة العامة للآثار والهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية التابعتين لوزارة الثقافة والسياحة للمطالبة بتعويضات بعد أن انهارت منازلهم.
وكانت مدينة زبيد التاريخية قد أدرجت ضمن ثلاث مدن يمنية مع صنعاء القديمة وشبام وحضرموت في قائمة اليونسكو للتراث العالمي عام 1993م وذلك قبل أن يتم إدراجها في قائمة الآثار الدولية المهددة بالخطر إلا أن اليونسكو هددت السلطات اليمنية في كانون الأول ـ ديسمبر عام 2004م بإسقاط مدينة زبيد من قائمة التراث الإنساني خلال 3 شهر مالم تتخذ إجراءات سريعة وعاجلة لإنقاذ مايمكن من معالم وآثار المدينة المسجلة ضمن المواقع الأثرية العالمية المهددة بالخطر،وجاء تهديد اليونسكو بسبب عجز الجهات اليمنية المختصة عن حماية المدينة القديمة العريقة من العبث والبناء العشوائي والهدم وغير ذلك من الممارسات التي فيها مساس بخصوصية طابعها المعماري الفريد.
نجاح اليمن
ومع هذا التهديد فقد نجح اليمن في إقناع منظمة اليونسكو «منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم» بالإبقاء على مدينة زبيد التاريخية ضمن قائمة التراث العالمي، الذي يحظى بدعم ورعاية المنظمة.
وأوضح رئيس الهيئة العامة للحفاظ على المدن التاريخية في اليمن أن المنظمة الدولية وافقت على إعطاء اليمن فرصة لإثبات قدرته على الحفاظ على مدينة زبيد، معرباً عن سعادته بأن تحظى زبيد بدعم اليونسكو ورعايتها.
وقد أظهرت الحكومة اليمنية جدية في إزالة الأسباب التي أدت إلى تصنيف المدينة ضمن المعالم التاريخية المهددة بالخطر.
أخيراً
مامن دولة في العالم ليس لها تراث ليس لها تاريخ والذي ليس له ماض ليس له حاضر ولله الحمد فاليمن غني بالتراث وله تاريخ عميق ممتد الجذور إلى ماقبل الميلاد بقرون عديدة جعلها قبلة للزوار والسياح والمثقفين وغيرهم ممن يطلب المتعة والمعرفة فلنكن جميعاً شعباً وقيادة يداً واحدة للحفاظ على موروثنا الثقافي التاريخي ولنسعى للنهوض.
السبت, 27 يونيو, 2009
استطلاع ـ صابر محمد خضر
ها أنا ذا على مشارف مدينة زبيد، تلك المدينة التي سلبت عقول الكثيرين من العلماء والمفكرين والكثير من السياح والمستشرقين، تلك المدينة التي كانت - وما تزال - معلماً من معالم الحضارة.. نعم إنها زبيد، زبيد العلم.. زبيد العلماء.. زبيد العمران.. زبيد الثقافة.. زبيد الماضي والحاضر.. زبيد السياحة والمتعة.
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








