يقول كريستيان روبن: إن قتبان ظلت لأكثر من 0081 سنة اسماً منسياً بالرغم من أن مؤلفاً يعود إلى زمن حكم اليونانيين لمصر قام بوصف جزيرة العرب ، وذكر اسم هذه المملكة فلم يعرف عن قتبان الكثير باستثناء اسم عاصمتها ، وبعض المراكز الصغيرة التابعة لها ، ولم يكن من الممكن تحديد الروابط الجامعة بين قتبان وبلد البخور الشهير المعروف بغنائه الكبير وكسل مواطنيه وقدرة اسحاره على حماية ثروته الكبيرة وهنا يبرز التساؤل القائل : هل كانت قتبان المصدر الرئيسي لهذه العطور أو أن قتبان كانت البلد الوسطى بين بلد البخور الأصلي والمعينيين ؟ ويستطرد كريستيان مجيباً على تساؤلاته:
هنا لا أحد يستطيع الاجابة على هذا التساؤل ، فالمعينيون هم وحدهم الذين عرفوا بامتهان هذا النوع من التجارة ، وقد كانوا تجار العطور في اسواق البتراء وغزة ومصر وسميت هذه التجارة باسمهم ، أما كاتب الموسوعات الروماني بلينيو المتوفي سنة 97 قبل الميلاد بعد فترة قصيرة من واقعة ثورة بركان الفيزوفيو الشهير قد ذكر قتبان ، وفي النص التوراتي الذي يذكر مدينة سبأ وملكتها بلقيس التي رحلت إلى مدينة أورشليم القدس لتلتقي بنبينا سليمان لم يذكر اسم قتبان ، ولم تذكر سوى مرة واحدة في انساب القبائل اليمنية لأبي الحسن الهمداني والذي سماها في كتابه باسم قيتبان ويعود اسم قتبان الذي انتشر بكثرة في اصله حسب قول كريستيان إلى التسمية اليونانية ، لكن هذا لا يمكن أن يقلل من شأن هذه المملكة القديمة الضاربة جذورها في اعماق التاريخ ، حيث تمتعت بنفوذٍ وقوة عظيمتين في منطقة عرب الجنوب لأكثر من خمسة قرون ، ابتداءً من منتصف الألف الأولى قبل الميلاد وانتهاءً بظهور الديانة المسيحية ، وقد كانت هذه المملكة الشامخة هدفاً للحملة العسكرية الرومانية بين عامي 62 ـ 52 قبل الميلاد التي ارسلها الامبراطور اوغسطو ، بعد هزيمة كيلو باترا واحتلال مصر عام 03 قبل الميلاد ، وقد أمر الامبراطور قائد حملته إلى مصر اليوغاللو أن يتوجه بجيشه لاحتلال بلد البخور وبمشاركة أدلاء من اليهود والنبطيين الذين كانت لهم معرفة جيدة بالمنطقة تم اعداد فيلقين من جنود الروم.
وقد استطاع هذا الجيش عبور الصحراء لكن النصر لم يحالفه حتى النهاية ،حيث واجه افراده الجوع والعطش فبقوا في مارب دون أن يستطيعوا الوصول إلى قتبان التي كانت على مبعدة يومين منهم.
قرنان من الاكتشاف
من أجل الاحاطة بأسرار هذه الدولة العملاقة لابد من معرفة الزمن الذي تم فيه اكتشافها ، حتى يتسنى لنا الدخول في تضاريسها الارتوازية ويعود استكشاف مملكة قتبان إلى نهاية القرن التاسع عشر ، وقد ظهر اسم هذه المملكة أول الأمر منقوشاً على احجار نفذت لحساب الباحث الاسترالي إدوارد كلاسر ، وعلى هذه الأحجار ، كما يقول روبن جاء ذكر اسم العاصمة تمنع وفي بحث نشر في العام 5981م يصف الباحث مدينة تمنع بكونها مقر إقامة ملك القتبانيين ، وهو يسميها تمناً استناداً إلى تسمية اراتوستني ، وتؤمنا استناداً إلى تسمية بلينيو وأن الأخذ بتسمية تمنع دون تمنا أو نؤمنا يعود إلى التسمية التي اطلقها القدماء على هذه المدينة ،وفضل الباحث تسمية تمنع على اعتبار أن الكلمة تدل على كونها فعل متصرف للشخص الثالث المفرد المؤنث في زمن الحاضر المستقبل لهذا فإن مجيء الحرف »و« كحرف صوتي بعد الحرف »ت« لايمكن إلا أن يكون في صيغة اشتقاق ، وهذا ما لايتطابق وكلمة تمنع اضافة إلى عدم وجود اسم يمني يمتلك الشكل ذاته ، أي يبدأ بـ »تو« بينما هناك الكثير من الاسماء التي تبدأ بـ »تا«.
تتابع زمني منتظم
الأستاذ خيران محسن الزبيدي مدير عام الهيئة العامة للمتاحف والآثار شاركنا بمعلوماته التاريخية عن هذه المدينة قائلاً:
لقد بدأت الدراسات حول مملكة قتبان قبل فترة ليست بالطويلة وقد وجد فيها حفريات آثرية واسعة وخلال خمس سنوات قادمة يمكن أن تجهز وترمم كافة المباني التي تم الكشف عنها وتجهز سياحياً في المستقبل القريب ، ومن الأسئلة التي تهمنا حول هذه المملكة هو التتابع الزمني التاريخ وطبيعة تنظيماتها والنموذج الذي كانت تعتمده المملكة في السيطرة على تجارة القوافل ، وكما يقول كريستيان فإن قتبان قد بدأت بالظهور في سنة 007 قبل الميلاد ، وانتهت في سنة 571 للميلاد ، أما الأرض التي تمتد عليها مملكة قتبان فإن لغتها وآلهتها تستطيع تحديد أرض قتبان جغرافياً ، ومن هنا يمكن أن ندرك أن قتبان تمتد إلى الشمال الغربي وصولاً إلى حدود محافظة ذمار ، وإلى الجنوب وصولاً إلى مدينة عدن وهناك نقوش قديمة تؤكد بأن قتبان تطل على مضيق باب المندب ، لتكون بذلك قد ضمت لها الجزء الجنوبي من البحر الأحمر الفاصل بين الجزيرة العربية وافريقيا ، وقد كانت هناك خمسة آلهة معبودة في جميع بقاع المملكة وكان الإله الأكبر هو الإله »عم« وهو كنية تطلق على أخ الأب ، وقد كانت كل قبيلة من قبائل قتبان تمتلك معبداً خاصاً بالإله »عم« الذي اعتبره القتبانيون الأب الأول المتخيل لكل سكان مملكة قتبان الاحرار وأكبر معابد هذا الإله هو معبده الكبير في مدينة تمنع الذي يسمى بـ »حطيب«.
حكام قتبان
عرفت قتبان نوعين من الحكام ،حكام تكون سلطتهم منحصرة في حدود المملكة ذاتها يسمون بالملوك ، وحكام يدعون موقع الحاكم المطلق في منطقة عرب الجنوب ويسمون بـ» الموفد« »مكرب« ولهذه الكلمة حالة من التحريم في النطق بها من قبل العامة للدلالة على الحاكم الذي لايطلق بها إلا عليه وحده ، أما وراثة الحكم فتبقى مسألة لا يمكن التأكد منها خصوصاً فيما يتعلق بالفترات القديمة ويمكن سرد التسلسل الوراثي للحكم ابتداءً من بدايات القرن الثاني قبل الميلاد.
الانوار الصفراء لخيوط الشمس العجوز المتجعدة تتكسر على الأرواح العتيقة التي تكون اكسجين المدينة ، وطيور وفراشات ملونة تتطارد فوق سقف مملكة قتبان ، وشك يداعبني بأن الملوك والناس الذين كانوا ذات يوم يفترشون هذه الصحراء هم هاتيك الطيور والفراشات التي تحوم فوق ذكرياتها وربما تلك النجوم التي تسيح على لحم ويستحشني أن أمشي الهوين فوق أعين من الثرى ساحرات الاحوار .. فتبدت آثار ومعابد وقصور سوف أتناولها بالتفصيل في الأيام القادمة.
السبت, 27 يونيو, 2009
نبيل اليوسفي
على مقربة من أنفاس الصباح كانت مدينة عسيلان التي تبعد عن عتق العاصمة بمائة وسبعين كيلو متراً ، وعلى شفتي أطلال النقوب تتمطى ابتسامة عريضة متساقطة كاللؤلؤ من أسنان الشمس الطفلة الغريرة وفوق أديم الرمل الأصفر يتربع الآفق ناضداً صدره الفضي بسخرية وتحد للأزل ، ويمسح البصر وجه المدينة فيبرز التاريخ كالمرآة المجلوة ، وتتقدم من خلال الشمال بثلاثة كيلو مترات من النقوب دولة قتبان ، وعلى رأسها تاج من الشموخ والمهابة حينها ، لم أتمالك نفسي سوى معانقتها والتماهي فيها.
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








